تُعَدُّ المدرسة الهنديّة الكبرى في كربلاء المقدّسة من أبرز المعالم العلميّة والدينيّة التي خلّدها التاريخ في هذه المدينة العريقة. شُيّدت المدرسة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، نحو عام 1270هـ/1854م، بالقرب من الروضة الحسينيّة الشريفة في زقاق الزعفراني، لتكون منارةً للعلم ومركزاً للفكر الدينيّ.

تألّف مبنى المدرسة من طابقين يضمّان نحو 22 غرفة خُصّصت للدروس والسكن، كما احتوت على مكتبةٍ عامّة عُرفت باسم (المكتبة الجعفريّة)، التي كانت مرجعاً للعلماء وطلّاب الفقه والمعرفة، لما ضمّته من كتبٍ ومخطوطاتٍ نادرة في الفقه والأصول والتفسير.

لم يقتصر دور المدرسة على التعليم التقليديّ، بل تحوّلت إلى مركزٍ ثقافيٍّ نشطٍ في نشر العلوم الدينيّة والفكر الإسلاميّ. فقد كانت تصدر نشراتٍ وكراساتٍ أسبوعيّة ودوريّة تتناول المسائل الشرعيّة وأجوبتها، كما تأسّس في رحابها مكتب "رابطة النشر الإسلاميّ" الذي اضطلع بدورٍ رائدٍ في طباعة وتوزيع الكتب التوعويّة والدينيّة مجاناً على المسلمين في شتّى أنحاء العالم.
وقد طبع المكتب أكثر من ثلاثة آلاف نسخة من مؤلّفاتٍ قيّمة، ووزّعها في بلدانٍ إسلاميّةٍ بعيدة مثل إندونيسيا والمغرب العربيّ وليبيا، إلى جانب عددٍ من الدول العربيّة ودول الخليج، بإشرافٍ مباشرٍ من العلّامة السيد كاظم القزويني الذي قاد المشروع بروحٍ علميّةٍ تبشيريّةٍ راقية.

خرجت من المدرسة الهنديّة الكبرى كوكبةٌ من العلماء والفقهاء الذين تركوا بصماتٍ بارزة في ساحة الفكر الإسلاميّ، من بينهم: الشيخ كاظم الرشتي، السيد محمد صادق القزويني، السيد المرجع الكبير محمد الشيرازي، السيد عبد الرضا الشهرستاني، السيد مصطفى الاعتماد البهبهاني، الشيخ محمد تقي الأصفهاني، والشيخ مهدي الرشتي، فيما تولّى إدارتها العلّامة الشيخ جعفر الرشتي الذي عُرف بعلمه الغزير ومكانته العلميّة البارزة.

غير أنّ هذا الصرح العلميّ لم يسلم من يد الخراب، إذ تعرّضت المدرسة للهدم عام 1991م، ضمن ما طال كربلاء من تدميرٍ لمدارسها ومعالمها العلميّة والدينيّة عقب قمع الانتفاضة الشعبانيّة المباركة. ورغم زوال جدرانها، بقيت المدرسة الهنديّة الكبرى محفورةً في ذاكرة المدينة كرمزٍ للعطاء العلميّ والنهضة الثقافيّة، وشاهداً على مرحلةٍ زاخرةٍ بالعلم والإيمان في تاريخ كربلاء المقدّسة.