كربلاء المقدّسة متتلمذاً على أعلامها من أمثال مدرِّس الطَّف الشيخ الميرزا عليّ نقي البرغانيّ الحائريّ آل الصالحيّ، ثمّ ارتحل بعدها إلى النجف ليلتحقَ بحوزة الأخوند الخراسانيّ فتخرّجَ عليه في الفقه والأصول.
عاد إلى موطِنه قزوين ليتصدّى للتأليفِ والتدريس والافتاء، فتخرَّج عليه جمعٌ غفيرٌ من طلبةِ العلومِ الدينيّة، إذ اشتهر بكونه" يمتاز بحلاوة التعبير وحسن التفهيم ورشاقة البيان وإحاطته بآراء السَّلَف"، كما كان له دورٌ بارزٌ عند اندلاع شرارة الثورة الدستوريّة في إيران إذ كان في طليعة الثوّار الإيرانيّين المطالبين بضرورة إحلال الدستور والإصلاحات الجديدة، وفقاً لتوجيهات الأخوند الخراسانيّ، علاوةً على انتخابه نائباً عن مدينة قزوين في الدَّورة الثالثة من البرلمان الإيرانيّ، غير أنَّ ثمّةَ اختلافاتٍ حصلت بينه وبين الشاه الإيرانيّ دفعته لترك إيران والتوجّه إلى مدينة كربلاء المقدّسة؛ ليقيم فيها قرابة خمسة عشر عاماً اشتغل فيها بالتدريسِ والتأليف والإرشاد والإصلاح، عاد بعدها إلى قزوين ليصبحَ فيها من كبار العلماء العاملين وزعماء الدين حتّى وفاته، إذ دُفن في مدينة قمّ المقدّسة .
ترك الشيخ فضل عليّ مؤلّفاتٍ كثيرةً كان منها كتاب " الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه "، و " شرح خطبة الزهراء عليها السلام"، و" تاريخ وأحوال السيّدة فاطمة أخت الإمام الرضا عليه السلام "، و " ترجمة حياة فاطمة الزَّهراء عليها السلام"، و " كتاب مذهب وجعفر" وغيرها.
يعدُّ كتاب (الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ) والذي جاء بأربعة أجزاء أبرز مؤلّفاته، تناول الجزء الأوّل منها موضوعة نهضة الإمام الحسين عليه السلام على وفق تسلسلٍ منطقيٍّ ابتدأه ببيان أهمّ الظروف الموضوعيّة التي سوّغت له عليه السلام الشروع بمسيرته نحو أرض الشهادة (كربلاء)، وجاء الجزءان الثاني والثالث أحدهما مكملٌ للآخر من جهة اشتمالهما على ترجمات أقربائه وأصحابه، ليأتي الجزء الرّابع ملحقاً بالثالث (في ذات المجلّد) بيّن فيه الشيخ القزوينيّ ترجماتِ مَن حضَر يومَ الطَّف ولم يفُزْ بالشهادة فيه، مرتَّباً على وفق ترتيبٍ ألف بائيّ، مخصِّصاً في نهاية كلامه مُلحقاً بسيرة الإمام السجّاد عليه السلام إبّان النهضة، ولعلَّ ذلك الأمر يعود لأهميّة الأحداث التي اشترك بها الإمام السجّاد عليه السلام فآثر الشيخ القزوينيّ أنْ يذكرَها بالتفصيل في فصلٍ مستقلّ .
ومن الجدير بالذكر أنَّ محقِّقَ الكتاب السيّد أحمد الحُسينيّ قد أفرد جزءاً أسماه (الجزء الرّابع) بفهرسة ما ورد ذكره في الأجزاء التي سبقته، فهرسةً فنيّةً راعى فيها جُلَّ ضوابط الفهارس المعمول بها في المعاجم والموسوعات ذات الأجزاء المتعدّدة.
جاء الجزء الأوّل مشتملاً على ذكر التأسيسات الأولى لنهضة الإمام الحسين عليه السلام وبواقع تسعة أبواب، ابتدأها بخُطبِه عليه السلام لمّا عزم الخروج إلى العراق، إذ عدَّها الشيخ القزوينيّ من "إعجازه وكراماته" لما فيها من بلاغةٍ وبراعةٍ في استهلال ما سيتمّ حدوثه، معرِّجاً في الوقت نفسه على أبرز الاحتجاجاتِ التي واجهها الإمام والتي جاءت على لسان مؤرِّخي تلك الحقبة التاريخيّة.
وتضمّن البابانِ الثاني والثالث، جملةً من رسائلِه وأجوبتِه لمن سأله أو تعرَّض له أو اعترض عليه من أمثال محمّد بن الحنفيّة ومروان بن الحكم وغيرهم، في حين سلّط الباب الرّابع الضوء على وصايا الإمام عليه السلام لأهله وعياله والمقرَّبين لديه، والتي أحصى منها الشيخ القزوينيّ سبع وصايا قسّمها بين أخيه محمّد بن الحنفيّة وأمّ سَلَمة وابنته فاطمة الكبرى وابنه الإمام السجّاد عليه السلام وأخته السيّدة زينب عليها السلام قبل وصولهم أرض كربلاء وبعدها.
وجاء الباب الخامس الأكبر حجماً بين قريناته تحت عنوان (وقائع السَّفر من المدينة إلى مكّة) إذ تضمّن أحداثاً تاريخيّةً أوردها الشيخُ القزوينيُّ على وفقِ تتابعٍ زمنيٍّ ابتدأه من خروجه عليه السلام من المدينة مرورًا بمكّة وصولًا إلى كربلاء.
وتحدّثت الأبوابُ من السادس إلى التاسع عن مُجريات الأحداثِ التي مرّت على الإمام عليه السلام في كربلاء وليلة عاشوراء، مبيِّناً التفصيلاتِ والابتلاءاتِ المتنوّعة والمتعدِّدة التي جرت عليه، والتي أصبحت فيما بعد المادّة والمستند في ذكرِ مصيبته عليه السلام.
أمّا الجزء الثاني من الكتاب فقد تضمّن ترجمة (169) شخصاً ممّن استشهد مع الإمام الحسين عليه السلام سواء أكانت شهادته قبل واقعة الطفّ من أمثال مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وسليمان بن زرين، أو بعدها كالهفهاف بن مهنّد الراسبيّ.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ التفاتة الشيخ القزوينيّ كانت متأتّيةً من مفهومه لمصطلح (في سبيل الحسين عليه السلام) والذي عمَّمه على كلِّ من نهض من أجله ممهِّداً لدعوته عليه السلام ممّن بايع مسلم بن عقيل، أو ممّن قتلهم وِلاةُ الأمويّين بـ “التهمة"، و "الظنة".
مع التنويه إلى أنَّ ذكر هؤلاء الأصحاب جاء على وفق ما ذكرته كتب المقاتِل والتاريخ، وإلّا فالمقتولون في سبيله عليه السلام من أوّل خروجه إلى ما بعد شهادته كثيرون، بلحاظ التعذيب والتنكيل الكبيرين اللذينِ طالا شيعة أهل البيت عليهم السلام من قِبَل حُكّام بني أميّة.
وجاء الجزء الثالث متماثلاً في موضوعه مع سابقه من جهة تتميم ترجمات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام غير أنّه اختصَّ بذِكرِ النِّساءِ والصبيانِ منهم، إذ وقف الشيخُ القزوينيُّ على إيراد ترجماتهم وما جرى لهم منذ خروجهم من المدينة إلى رجوعهم إليها.
ترجم الشيخ القزوينيّ لـ (47) امرأةً، و (12) رجلاً من عيال الإمام عليه السلام وصبيانه وأهل بيته، وعلى وفق ترتيبٍ ألف بائيٍّ مبتدئًا بالنِّساء أوّلاً، ومن ثمّ الصِبية والرِّجال الذين لم ينالوا شرف الشهادة في الطفّ، مع ملاحظة اختصاره في بعض الترجمات ليستفيض بها في موضع آخر من الكتاب لأهميّتها ومحوريّة دورها من أمثال السيّدة زينب والإمام زين العابدين عليهما السلام.
جرى قلم الشيخِ القزوينيِّ على استخدام الأسلوب السلس الواضح البعيد عن العبارات والتراكيب اللغويّة المعقَّدة، وبأسلوبٍ عِلميٍّ راعى متطلّبات فنِّ الكتابة القائم على التركيز في صياغة العِبارة بشكلٍ سليمٍ يبتعد بها عما هو مجازيّ.
كما شكّل وضوح الأسلوب أحد أبرز العوامل التي تجعل من العبارة سهلة الفهم، مع ترابط مجموعها ترابطاً متسلسِلاً يقرِّب الفكرةَ المراد طرحها للقارئ، ساعده بذلك مكانته العلميّة ودراسته الدينيّة التي وفَّرت له قدراً كافياً من العلومِ العقليّة والنقليّة التي شكّلت مع ما تمتع به من مَلكات عقليّة بأن تأتي كتابته بهذا الشكل، فكان أسلوب (السهل الممتنع)، أحد مميزات كتابته التاريخيّة، والتي عن طريقه يتمكّن القارئ من فهم وإدراك ما كان يورده الشيخ في كتابه (الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه).
الشَّيخُ فضلُ عليّ القِزوينيّ سِيرتُهُ ومَنهجُهُ العِلميّ