الحسين عنوان الخلود
بقلم: الأُستاذ خليل رشيد
مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 251.
الحسين عنوان الخلود
هذه ذكرى سامية، وهذا موقف شريف، والأديب بمثل هذه الذكرى، وبمثل هذا الموقف يمسك القلم متأمّلًا ماذا يكتب، وأيّ موضوع يطرق؟! إذ لم يترك الأُدباء موضوعًا لم يطرقوه، أو حديثًا لم يتحدّثوا به عن واقعة يوم الطفّ، وأنّ الأديب العبقريّ تتعذّر عليه الكتابة بمثل هذا الموضوع الذي لم يترك الأُدباء فيه من متردّم.
حقًّا إنّ الأديب لفي حيرة من أمره، فهذه ألف وثلثمائة ونيّف من السنين مضت، وأدب الطفوف في نموّ وازدهار، يغمر دنيا الأدب، ويعمر صدور الأُدباء، ولو أردنا إحصاء ما قيل في الطفوف من نظم ونثر لاحتجنا إلى ألف مجلّد ومجلّد، بيد أنّ هناك ما يستمدّ الأديب منه وحيه، ويستوحي خياله، ألا وهو القبس الحسينيّ الشعشاع.
قبس ينير له المسلك، وشعاع يضيء له الطريق، فيكتب الأديب حسب ما أُوتي من بلاغة وقوّة بيان، هذه ألف وثلثمائة ونيّف من السنين مضت واسم الحسين يملأ فم الدهر، ويغمر ذكره جوّ الزمن، لا تصله يد الفناء، ولا تقربه عوامل الاندثار، هذه ألف وثلثمائة ونيّف من السنين مضت، واسم الحسين يلمع في سماء التضحية والتفاني في سبيل العقيدة والمبدأ.
هذه ألف وثلثمائة ونيّف من السنين مضت على عراك الفضيلة والرذيلة، وصراع الحقّ والباطل، أعني صراع حسين ويزيد، هذه ألف وثلثمائة ونيّف من السنين مضت على يوم احتضن فيه أبو الشهداء السيوف، وعانق الموت بصدر رحب فدءً للفضيلة، وضحيّة للدين ولكن لا، الحسين لم يمت، ولم يُمحَ اسمه من سجلّ الخلود، فهو مصداق لقول الشاعر:
كـذب الـمـوت فـالـحـسـيـن مـخـلّـد
كـلّـمـا أخـلـق الـزمـان تـجـدّد
مضت هذه الحفنة من السنين والحقب من الزمن، واسم الحسين يُردّد في الأندية والمحافل بكلّ إكبار وإجلال وتقديس، فهو باقٍ بقاء الدهر والزمن، وذكره مقرون برحمة الأجيال، وصفحته بيضاء ناصعة في التاريخ.
مضت هذه الحفنة من السنين، والحقب من الزمن، واسم يزيد يُردّد في الأندية والمحافل بكلّ سُبّة واحتقار وازدراء، فهو باقٍ بقاء الدهر والزمن، وذكره مقرون بسُبّة الأجيال، وصفحته سوداء قاتمة في التاريخ.
مَنْ هذا الذي يُقرن اسمه باسم الحسين، مَنْ يزيد ؟!! يزيد عصارة الرذيلة، وخلاصة الشرّ والباطل، الصبيّ العربيد، صريع الخمرة والكأس، وقتيل الغواني والغلمان، يزيد ذلك الأهوج الشرّير، فتى معاوية بن أبي سفيان.
ألا فلتضحك الأقدار ملء شدقيها، إذ تُوْقف حسينًا مع يزيد في التاريخ، تُوْقف حسينًا ربيب الوحي، وغذيّ الرسالة مع يزيد ربيب الفسق والفجور، وغذيّ الكفر والإلحاد موقف المُخاصِم للمُخاصَم.
عجبًا لتصرّفات الدهر، وتلاعب الزمن، وسخريات القدر، حيث تعطي المُلك فاسقًا فاجرًا، وتبوّئه مقعد خلافة المسلمين.
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ ..الحسين عنوان الخلود